المامقاني

440

غاية الآمال ( ط . ق )

لا فرق بين السفينة وما شابهها وبين الكسر وسائر أنواع التصرف فيشكل التعدي إلى ما وقع في النهر أو في عين أو في البئر من الأماكن الَّتي تضيع فيها الأموال دفعه الا ان يخرجها ريح أو عمل عامل كالغوص وان انطبقت على القواعد سرى الحكم بكل ما كان تحت القاعدة والذي يظهر من السّيرة والطريقة واستقراء موارد جزئيات ما شابه هذه المسائل ان المال الذي غرق في السفينة ان كان أهله غير معرضين عنه بابين على إخراجه مريدين له فهو لهم حتى لو كان الشيء من شأنه الاعراض كالمحقرات الواقعة من الحطب والتبن وبعض الحب من الزرع فإنّه كلَّه على أصل الملك لمالكه واحتمال خروجه عن الملك قهرا لو كان من شانه ذلك بعيد وان كانوا معرضين عنه قطعا أو كان من شأنه الاعراض ولم يعلم حالهم بل كان ظاهر الحال يقضى بإعراضهم عنه كان مباحا لواجده ويخرج عن ملك المعرض ويكون بمنزلة الإقالة مع المالك الحقيقي وبمنزلة فك الملك عن نفسه بل لو كان صاحبه ومجنونا أو صبيّا وكان من شأنه إعراض أهله عنه خرج عن ملك مالكه في وجه قوى كما انّ الاعراض لو كان من المالك عن مال له ليس من شأنه الإعراض عنه كما يقول أعرضت عن مالي لا يحكم بفك الملك فيه لعدم جريان السّيرة على ذلك وبالجملة فالظاهر أن الاعراض لو حصل من المالك قطعا أو دلت عليه الأمارات اللفظية أو العادية وتعلقت من شأنه أن يعرض عنه أو كان الشيء من شأنه الإعراض عنه وان لم يعلم باعراض المالك عنه لصدوره من مجنون أو جاهل أو ممن لا يعلم حاله كان في الجميع مخرجا عن الملك ولو علم بعدم الاعراض فلا يخرج عن الملك كما لو علم الاعراض عما من شأنه ان لا يعرض عنه نعم يكون هذا بمنزلة الإباحة في التصرّف وقد يقال إن الاعراض لا يخرج عن الملك بل هو دليل على إباحته لمن إرادة وأخذه ويشكل بان المباح له انّما يملك المال بالتلف كازداد الطعام أو بالنقل في عقد لازم كالإباحة في المعاطاة على القول بها ولا يملك بمجرد القبض أو التصرف ( مطلقا ) مع أن السيرة قاضية بتملك المال المعرض عنه كالبعير المتروك من جهد في غير كلاء وماء بمجرد قبضه وإجراء أحكام الملك عليه بذلك وهو دليلنا على الملك في المعاطاة دون الإباحة واحتمال ان الإباحة في المال المعرض عنه إباحة لتملكه فيملكه القابض بمجرد نية التملك بعيد لأن الأذن في الملك غير معقول وإباحة أن يملك أخر ماله لا يجرى على القواعد نعم لو أباح التملك بمعنى إباحة أسبابه فالإذن فيه أذن في لوازمه فيصير الإذن بمنزلة من أذن لواحد معين أو لكل أحد ان يوجد أسباب الملك لماله من غيره ومن جملتها قبضه عن المالك على سبيل الهبة أو بيعه وهبة ثمنه لنفسه جاز ولكن السّيرة القطعية لا تجري على المال المعرض عنه ويلزم ان لا يملك المال المعرض عنه لو صدر من غير البالغ أو المجنون وعلى ما ذكرنا فتحمل الرواية على أن ما إخراجه البحر كان لأهله إذا كانوا واقفين عليه مريدين له ولو بعد ذلك فأهله آملون له وحاسبوه من مالهم بخلاف ما احتاج إخراجه إلى مخرج فإن أهله معرضون عنه لمخرجه باذلوه له فيكون له لو أخرجه بنية تملكه لنفسه نعم لو أخرجه بنية أنه لأهله احتمل عوده إليهم واحتمل بقاؤه على الإباحة وهل يأس أهل المال قرينة على الاعراض الأظهر العدم لان صاحب المال قد ييأس من تحصيل ماله عند الظلمة أو السراق ولا يعرضه عنه انتهى وفي الجواهر عن بعض انّه لا يزول الملك بالإعراض إلا في الشيء اليسير كاللقمة وفي التالف كمتاع البحر وفي الذي يملك لغاية لو حصلت كحطب المسافر انتهى وظاهره زوال الملك فيما ذكره بنفس الاعراض قبل الحيازة وقال المحقق الأردبيلي ( رحمه الله ) في شرح قول العلامة ( رحمه الله ) في كتاب القضاء من الإرشاد ولو انكسرت سفينة فما أخرجه البحر فلأهله وما أخرجه بالغوص لمخرجه بعد الاستدلال برواية الشعيري وتضعيفها ما لفظه والمضمون مخالف للقواعد فيمكن حملها على أعراض صاحب المتاع عما غرق فهو ( حينئذ ) للأخذ فيمكن أن يكون أولى بأن يكون له التصرف فللمالك أخذه ( حينئذ ) على الاحتمال وأن يكون مالكا له وهو ظاهر الرواية فتأمل فإنه كسائر الأموال المعرض عنها فيحل لهم الأخذ مع ثبوت الاعراض والياس كما في سائر المعرضات لا بدونه كغيره من الأموال وقد مر البحث عن ذلك في لقطة الحيوان انتهى وقال في كتاب اللقطة في مسئلة البعير المتروك وانه يملكه الآخذ وليس كسائر الأموال الملتقطة ولكن ان كان العين باقية فيمكن أن يكون للمالك أخذها إذ خروجها عن ملكه الذي كان ودخولها في ملك الآخذ دخولا لازما غير ظاهر والأصل عدمه فبحكم الاستصحاب يجوز الأخذ منه ان كانت باقية ويكون مثل الهبة الغير اللازمة ولا يكون للأخذ ( حينئذ ) على المالك أجرة وعوض لما تعب واتفق عليه لأنه متبرع قاصد نفعه إلى أن قال ويحتمل انّه يملكها بحيث لا رجوع له أصلا اختاره في ( الدروس ) ولعل دليله الاعراض والخروج عن ملكه ودخوله ثانيا يحتاج إلى دليل ولعله لا نزاع في خروجه ثم ذكر الأخبار التي سنذكرها ( إن شاء الله ) وقال هذه هي أدلَّة أصل الحكم فمن قال بالأصل ينبغي ان يقول به ويبطل بها حكم الاستصحاب ( صح ) إلى أن قال والضابط الاعراض على وجه لا يريد العود وكونها بحيث لو لم يأخذها الأخذ تموت فأحياها من الموت سواء كان لعجزه عن نفقتها كما يدلّ عليه رواية السّكوني المتقدمة أو تعبها أو عدم تبعيتها للمالك إلى أن قال ولا شك ان ترك الطلب لصاحب المال أحوط وأولى وان كان الاحتياط للأخذ رده عليه أو تملكه بإذنه صريحا انتهى وانّما قلنا إن كلام المحقق المذكور محتمل لاحتمال انه أراد بخروجها عن ملك المالك ودخولها في ملك الأخذ ان الخروج مستند إلى الاعراض ودخولها في ملك الأخذ مستند إلى أخذه و ( حينئذ ) يصير الاعراض مخرجا عنده واحتمال انّه أراد أنّه بالأخذ يخرج عن ملك المالك ويدخل في ملك الآخذ وعلى هذا لا يكون الخروج مستندا إلى نفس الاعراض والإنصاف انه لم يقم دليل على كون الاعراض بنفسه مخرجا واما التمسّك في ذلك بالسّيرة كما يشعر به كلام أنوار الفقاهة فيدفعه ان غاية ما هناك ان السيرة قد جرت على تملك المال المعرض عنه والسيرة لا تبين وجه العمل إذ لعل جريان السّيرة على ذلك من باب الإباحة من جانب اللَّه وليست مستندة إلى ما هو من جانب المالك وعلى قدير استنادها إلى ما هو من جانب المالك ( صح ) نقول لم يدلّ دليل على انحصار طريق التملك من جانب المالك فيما ذكر في أنوار الفقاهة المتقدم ذكره من كونه على وجه الإخراج فيجوز أن يكون على وجه الإباحة وصيرورة المال ملكا للآخذ انما هي بتصرفه فيه وقد يستدل على كون الاعراض بنفسه مخرجا للمال عن الملك بوجوه أحدها صحيحة عبد اللَّه بن سنان عن الصادق ( عليه السلام ) من أصاب مالا أو بعيرا في فلاة من الأرض قد كلت وسيبها صاحبها لما لم تتبعه فأخذها غيره فأقام عليها وأنفق نفقة حتى أحياها من الكلال ومن الموت فهي له ولا سبيل له عليها وانما هي مثل الشيء المباح قال في جامع المقاصد بعد ذكرها و ( الظاهر ) ان المراد بالمال ما كان من الدواب التي تحمل ونحوها بدليل قوله كلت وقامت وسيبها صاحبها لما لم تتبعه انتهى وتقريب الدلالة واضح لان المراد بالشيء المباح ما هو مباح بحسب الأصل وعلى هذا الإطلاق جرى جملة من عبارات الفقهاء منها ما يأتي من عبارة ابن إدريس ( رحمه الله ) في هذه المسئلة ومعلوم ان وجه التشبيه بالمباح هو جواز أخذه لمن أراده فيكون المال الذي أعرض عنه صاحبه مثل المباحات الأصلية وليس معناه الَّا خروج المال عن ملك صاحبه الذي أعرض عنه ( صح ) وفيه